العيني

38

عمدة القاري

2 ( بابُ إثْمِ مَنْ فَاتَهُ العَصْرُ ) ) أي : هذا باب في بيان إثم من فاتته صلاة العصر ، والمراد بفواتها تأخيرها عن وقت الجواز بغير عذر ، لأن ترتب الإثم على ذلك . 552 حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال الَّذِي تَفُوتُهُ صَلاَةُ العَصْرِ كأنَّمَا وُتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ . رجال هذا الحديث ولطائف إسناده قد مررت غير مرة . وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضا من طريق مالك ، وأخرجه الكشي من حديث حماد بن سلمة عن نافع ، وزاد في آخره : وهو قاعد ، وكذا رواه النسائي عن نوفل بن معاوية كرواية ابن عمر ، وفي ( الأوسط ) للطبراني : إن نوفلاً رواه عن أبيه معاوية بلفظ : ( لأن يوتر أحدكم أهله وماله خير له من أن تفوته صلاة العصر ) . وقال الذهبي : نوفل بن معاوية الديلي ، شهد الفتح وتوفي بالمدينة سنة يزيد ، روى عنه جماعة ، وقال في باب الميم : معاوية بن نوفل الديلي صحابي روى عنه ابنه . قوله : ( صلاة العصر ) في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : ( يفوته العصر ) . قوله : ( كأنما ) ، كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : ( فكأنما ) بالفاء ، والمبتدأ إذا تضمن معنى الشرط جاز في خبره : الفاء ، وتركها . قوله : ( وتر أهله وماله ) بنصب اللاَّمين في رواية الأكثرين لأنه مفعول ثان لقوله : ( وتر ) ، وهو على صيغة المجهول ، والضمير فيه يرجع إلى قوله : ( الذي تفوته صلاة العصر ) ، وهو المفعول الأول . فإن قلت : الفعل الذي يقتضي المفعولين يكون من أفعال القلوب ، ووتر ليس منها . قلت : إذا كان أحد المفعولين غير صريح يأتي أيضا من غير أفعال القلوب ، وههنا كذلك ، ووتر ههنا متعد إلى إلى مفعولين بهذا الوجه ، وذلك كما في قوله تعالى : * ( لن يتركم أعمالكم ) * ( محمد : 35 ) . أي : لن ينقصكم أعمالكم ، فعلى هذا المعنى في : وتر ، نقص من : وترته ، إذا نقصته فكأنك جعلته : وترا بعد أن كان كثيرا . وقيل : معناه ههنا : سلب أهله وماله ، فبقي وترا ليس له أهل ولا مال . وقال النووي : روي برفع الَّلامين ، قلت : هي رواية المستملي ، وجهها أنه لا يضمر شيء في : وتر ، بل يقوم : الأهل ، مقام ما لم يسم فاعله ، و : ماله ، عطف عليه . وقال ابن الأثير : من رد النقص إلى الرجل نصبهما ، ومن رده إلى الأهل والمال رفعهما . وقيل : معناه وتر في أهله ، فلما حذف الخافض انتصب ، وقيل : إنه بدل اشتمال أو بدل بعض ، ومعناه : انتزع منه أهله وماله . وقال الجوهري : الموتر : الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه ، تقول منه : وتره يتره وترا ووترا وترة . قلت : أصل : ترة وتر ، فحذفت منها الواو تبعا لفعله المضارع ، وهو : يتر ، لأن أصله يوتر ، فحذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة ، فلما حذفت الواو في المصدر عوض عنها : التاء ، كما في : عدة . وتكلموا في معنى هذا الحديث ، فقال الخطابي : نقص هو أهله وماله وسلبهم ، فبقي بلا أهل ولا مال ، فليحذر من يفوتها كحذره من ذهاب أهله وماله . وقال أبو عمر : معناه كالذي يصاب بأهله وماله إصابة يطلب بها وترا ، وهي الجناية التي تطلب ثأرها ، فيجتمع عليه غمان : غم المصيبة ، وغم مقاساة طلب الثأر . وقال الداودي : يتوجه عليه من الاسترجاع ما يتوجه على من فقد أهله وماله ، فيتوجه عليه الندم والأسف لتفويته الصلاة . وقيل : معناه فاته من الثواب ما يلحقه من الأسف ، كما يلحق من ذهب أهله وماله . ثم اختلفوا في المراد بفوات العصر في هذا الحديث ، فقال ابن وهب وغيره : هو فيمن لم يصلها في وقتها المختار . وقال الأصيلي وسحنون : هو أن تفوته بغروب الشمس . وقيل : أن يفوتها إلى أن تصفر الشمس ، وقد ورد مفسرا في رواية الأوزاعي في هذا الحديث . قال : وفواتها أن تدخل الشمس صفرة . وروى سالم عن أبيه أنه قال : هذا فيمن فاتته ناسيا ، وقال الداودي : هذا في العامد ، وكأنه أظهر لما في البخاري : ( من ترك صلاة العصر حبط عمله ) . وهذا ظاهر في العمد . وقال المهلب : هو فواتها في الجماعة لما يفوته من شهود الملائكة الليلية والنهارية ، ولو كان فواتها بغيبوبة أو اصفرار لبطل الاختصاص ، لأن ذهاب الوقت كله موجود في كل صلاة ، وقال أبو عمر : يحتمل أن يكون تخصيص العصر لكونه جوابا بالسائل سأل عن صلاة العصر ، وعلى هذا يكون حكم من فاته الصبح بطلوع الشمس ، والعشاء بطلوع الفجر ، كذلك . وخصت العصر لفضلها ولكونها مشهودة . وقيل : خصت بذلك تأكيدا وحضا على المثابرة عليها لأنها تأتي في وقت اشتغال الناس ، وقيل : يحتمل أنها خصت بذلك لأنها